النويري

302

نهاية الأرب في فنون الأدب

وقال أبو الوليد أيضا ، ورفعه إلى وهب بن منبّه : إن اللَّه تبارك وتعالى لما تاب على آدم عليه السلام ، أمره أن يسير إلى مكة . فطوى له الأرض وقبض له المفاوز ، فصارت كلّ مفازة يمرّ بها خطوة ، وقبض له ما كان فيها من مخاض ماء أو بحر فجعله له خطوة . فلم يضع قدمه في شئ من الأرض إلا صار عمرانا وبركة حتّى انتهى إلى مكة . وكان قبل ذلك قد اشتدّ بكاؤه وحزنه لما كان فيه من عظم المصيبة ، حتّى إن كانت الملائكة لتحزن لحزنه ولتبكى لبكائه . فعزّاه اللَّه عز وجل بخيمة من خيام الجنة ، ووضعها له بمكة في موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة . وتلك الخيمة ياقوتة حمراء من ياقوت الجنة : فيها ثلاثة قناديل من ذهب من تبر الجنة ، فيها نور يتلهّب من نور الجنة . ونزّل معها الركن ، وهو يومئذ ياقوتة بيضاء من ربض الجنة . وكان كرسيّا لآدم عليه السلام ، يجلس عليه . فلما صار آدم بمكة ، حرسها اللَّه تعالى ، حرسه اللَّه تعالى وحرس تلك الخيمة بالملائكة . كانوا يحرسونها ويذودون عنها ساكن الأرض ، وساكنوها يومئذ الجنّ والشياطين ، فلا ينبغي لهم أن ينظروا إلى شئ من الجنة ، لأنه من نظر إلى شئ من الجنة وجبت له . والأرض يومئذ طاهرة نقيّة لم تنجس ولم يسفك فيها الدم ، ولم تعمل فيها الخطايا . فلذلك جعلها اللَّه عز وجل مسكن الملائكة ، وجعلهم فيها كما كانوا في السماء يسبّحون اللَّيل والنّهار ، لا يفترون . وكان وقوفهم على أعلام الحرم صفّا واحدا مستديرين بالحرم كلَّه : الحلّ من خلفهم ، والحرم كله من أمامهم . ولا يجوزهم جنىّ ولا شيطان . ومن أجل مقام الملائكة ، حرّم الحرم حتّى اليوم . ووضعت أعلام حيث كان مقام الملائكة . وحرم اللَّه على حوّاء دخول الحرم والنظر إلى خيمة آدم من أجل خطيئتها التي أخطأت في الجنة . فلم تنظر إلى شئ من ذلك حتّى قبضت . وإن آدم عليه السلام كان إذا أراد لقاءها ليلمّ بها